السيد نعمة الله الجزائري
266
عقود المرجان في تفسير القرآن
« لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ » . أي : ليعلم المصالح إذ يقلّلهم في عينك في منامك ؛ أي : في رؤياك . وذلك أنّ اللّه أراهم إيّاه في رؤياه قليلا فأخبر أصحابه بذلك فكان تثبيتا لهم وتشجيعا على عدوّهم . « لَفَشِلْتُمْ » ؛ أي : لجبنتم ولتنازعتم في الرأي وترجّحتم بين الفرار والثبات . « سَلَّمَ » ؛ أي : عصم وأنعم بالسلامة من الفشل والاختلاف . « 1 » « فِي مَنامِكَ » . وهذا جائز . لأنّ الرؤيا في النوم هو تصوّر يتوهّم معه الرؤية في اليقظة ولا يكون إدراكا ولا علما ، بل كثير ممّا يراه الإنسان في نومه يكون تعبيره بالعكس ممّا رآه ؛ كما يكون تعبير البكاء ضحكا . قال الرمّانيّ : ويجوز أن يريه اللّه الشيء في المنام على خلاف ما هو به . لأنّ الرؤيا في المنام تخييل للمعنى من غير قطع وإن جامعه قطع من الإنسان على المعنى . وإنّما ذلك على مثل ما يخيّل السراب ماء من غير قطع على أنّه ماء . ولا يجوز أن يلهمه اعتقادا للشيء على خلاف ما هو به . لأنّ ذلك يكون جهلا لا يجوز أن يفعله اللّه . والرؤيا على أربعة أقسام : رؤيا من اللّه ولها تأويل ، ورؤيا من وساوس الشيطان ، ورؤيا من غلبة الأخلاط ، ورؤيا من الأفكار . وكلّها أضغاث أحلام إلّا الرؤيا من قبل اللّه التي هي إلهام في المنام . ورؤيا النبيّ هذه كانت بشارة له وللمؤمنين بالغلبة . « 2 » [ 44 ] [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 44 ] وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( 44 ) « وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ » . الضميران مفعولان . يعني : وإذ يبصّركم إيّاهم . « قَلِيلًا » . إمّا بأن يستر اللّه بعضهم بساتر أو يحدث في أعينهم ما يستقلّون به الكثير كالأحول . وقليلا نصب على الحال . وإنّما قلّلهم في أعينهم تصديقا لرؤيا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وليعاينوا ما أخبرهم به فيزداد يقينهم ويثبتوا . قال ابن مسعود : لقد قلّلوا في أعيننا حتّى قلت لرجل إلى جنبي : أتراهم سبعين ؟ فقال : أراهم مائة . فأسرنا رجلا منهم فسألناه فقال : نحن [ كنّا ] ألفا .
--> ( 1 ) - الكشّاف 2 / 224 - 225 . ( 2 ) - مجمع البيان 4 / 840 .